بواسطة مامون محمد الطيب في الأحد فبراير 22, 2009 10:30 pm
مشروع الجزيرة .. نشأته .. حاضره .. وغده المأمول (دراسة)
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
مقدمة:
ما أن يطرق الأذن هذا الاسم " مشروع الجزيرة " حتى تتداعى للذهن مجموعة ملونة ومزدحمة من الصور عند الكثير منا، فهو المربع وموطن النشأة ومرتع الصبا، وهو الأيام الخاليات الجميلة لشبابنا الباكر الحالم بمستقبل واعد، هو البيت والأهل والعشيرة، باختصار هو دنيانا بأفراحها وأتراحها، نراه في سواعدنا تحمل أدوات الزراعة وبذور العطاء على الدواب وعلى الظهور أحياناً، نراه في جداول رقراقة تروي ظمأنا في نهار قائظ كما تروي عطش الأرض الداكنة لتخرج ثمرتها كل حين بأذن ربها، هو أهازيج أمهاتنا وأخواتنا يشاركننا نثر البذور وقطاف القطن الزاهر. من منا لايمثل المشروع الجزء العزيز من حياته إن لم تكن حياته كلها !؟
هذا جهد أسعى فيه لتناول أمرا لمشروع بدراسة موسعة، نشأته، وضعه الحالي، ومستقبله المرتجى.
لا أدعي هنا أني أملك كل مقومات الخوض في هذا الأمر الكبير والصعب ولكني أبذل الجهد ما أمكنني لأقول ما أريد أدواتي في ذلك معارف متاحة ومعلومات موثقة ومقدرة المعايش المهتم على التحليل، وأرجو أن أجد من يعضد هذا الجهد بما يملك من علم حوله وعلى الله قصد السبيل.
تنقسم الدراسة إلى ثلاث محاور أساسية، يتناول المحور الأول نشأة المشروع.. كيف ولماذا .. هل حقق الأهداف التي من أجلها تم أنشاؤه، فهي إضافة إلى كونها دراسة تاريخية، ستتناول تحليل هذا التأريخ وإسقاط نتائجه على واقع اليوم وامتداد ظلاله في مستقبل المشروع.
المحور الثاني سيتم التركيز فيه على الوضع الراهن للمشروع بتحليل القوى المؤثرة في قضاياه من ناحية الوجود والهيئة والنتائج. كل ذلك باعتبار التحولات السياسية والاقتصادية وأثارها الاجتماعية الدائرة داخل المشروع وخارجه.
ماذا نريد للمشروع أن يكون وكيف نريد أن يحدث ذلك، تلك النقاط البارزة التي يعالجها المحور الثالث والأخير في هذه الدراسة .
مفاجأة ... مشروع الجزيرة خارج العصر ..
هل تعلموا ؟ هل تصدقوا ...!!! ؟؟؟
ليس لإدارة مشروع الجزيرة .. بجلالة قدره .. وجود على الشبكة العالمية !!! لاموقع .. لديهم !!!
بدأً لابد من شكر كل من ساهم في توفير معلومة لصالح هذه الدراسة التي نحن بصددها، هم كثر. لا أعرف غالبهم إلا من خلال مؤلفاتهم ومشاركاتهم في مواضيع تخص منطقة ومشروع الجزيرة.لعلي أحاول إثبات مراجعي بالدراسة في وقت لاحق.
توطئة:
دروس التاريخ وعبره .. لنتعلم
منذ أمد بعيد تراكم طمي النيل بفرعيه على امتداد حركتهما شمالا قبل العناق الأخير على السهل المنبسط بينهما والمسمى بالجزيرة.ولعلها في زمن سابق كانت عامرة بأهلها ممن تعارفنا على تسميتهم بالعنج وهم الخؤولة، بين غاباتها الكثيفة عاشوا يزرعون ويرعون مواشيهم، بعض أثارهم ولقاياهم حكايا سمعناها من الأجداد والجدات، تحت هذه الأرض تعيش ذكراهم وبقايا ممتلكاتهم وعظامهم.
لاتتوفر حسب معلوماتي دراسات اركيولوجية معتبرة عن هذه المنطقة الا من محاولات كالتي قامت بها بعض بعثة أكاديمية اسبانية أيام استئناف العمل في بناء سد سنار.كما أن المعلومات المتاحة عن تأريخها قبل الدولة السنارية قليلة وصعبة المنال الأ من شذرات هنا وهناك في بطون الكتب مما تركه المؤرخون والرحالة المسلمين وغيرهم.
بخصوبة أرضها ووفرة مياهها وعشبها، كانت مركز جذب لقادمين جدد من الجزيرة العربية اختلطوا بقاطنيها واستعمروا الأرض فساحت فيها مواشيهم ومن أديمها كان غذاؤهم.
القطن ذلك الناعم .. الجميل ..الثمين عرفوه وزرعوه بالمواسم المطيرة ومنه غزلوا ونسجوا مايسد حاجتهم وأتجروا به مع الأخرين.عرفت منطقة الحلاوين منذ أمد بعيد يمتد لفترة دولة الفونج وماقبلها بهذه الصنعة وبرع أهل المنطقة فيها، لكنها أندثرت مع ماذهبت به الأيام وتصاريف الدهور من أنماط النشاط الإنساني، فلاتكاد تجد لها أثراً اليوم الا في قصص السابقين.
عاشوا هنا آمنين وسارت الحياة بهم هادئة على ذلك المنوال والعالم حولهم يصطرع على الموارد والمواد الخام ومنها القطن.
والقرن التاسع عشر الميلادي يشارف نهايته، كانت الدولة البريطانية لاتزال تعيش ايام عزها ومجدها حتى بعد فقدها السيطرة المباشرة لرقعة واسعة غنية من الأرض الجديدة (الولايات المتحدة الأمريكية).
في تلك الأيام كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر منتج لسلعة القطن، وبفقد الأمبراطورية البريطانية لهذا المورد الهام وقتها، والنقص الكبير في في هذه السلعة العالمية كما أشارت البحوث والدراسات حينذاك، بدأ التفكير في مصادر مضمونة ومناسبة لإنتاج القطن داخل الإمبراطورية البريطانية والمناطق الواقعة تحت نفوذها.
شمالاً وفي العام 1899 كان السير وليام كارستن مستشار وزارة الأشغال العامة المصرية، مهتماً بتحقيق تطلعات الأمبراطورية في هذا الشأن، كما كان مدركاً أن السهول الطينية الخصبة الى الجنوب في السودان، واعدة لتلبية الحاجة. فكانت الخطة القائمة على اقامة مشروع زراعي يسقى عن طريق بناء سد مائي على النيل الأزرق عند منطقة سنار الأمر الذي يتيح المحافظة على مستوى الماء خلف السد، محاكياً لمرحلة الفيضان الموسمي على مدار العام. ثم يتم تغذية المساحة المقدرة للزراعة شمالاً حتى ودمدني.
قيل إن الملوك والقادة يتدينون لأسباب سياسية .. و يخوضون غمار الحروب لأسباب اقتصادية.
فهل كان (فتح السودان) كمايسمونه والدماء الزاكية التي سالت غزيرة بوادي كرري صبيحة يوم ( 2 سبتمبر ) من عام الميلادي
1898 لأجل الثمرة البيضاء .. القطن ... ؟؟؟
استطراد تاريخي :
مما قرأت مؤخراً عن القطن، أن زراعته وصناعة المنسوجات القطنية بالسودان، أمر قديم قدم السودان. ففي ممالك النوبة القديمة زرع القطن وصنعت الملابس القطنية المصبوغة والملونة بالرسوم الجميلة وأستمر هذه الصناعة كذلك خلال فترة الممالك المسيحية حتى أن منسوجاتهم طبقت شهرتها الأفاق ووصلت تجارتهم فيها أقاصي العالم القديم.
كانت المنسوجات القطنية أهم مقتنيات الحجيج السوداني للأراضي المقدسة بجزيرة العرب أبان مملكتي الفونج والفور وقد استخدمت قطع الدمور كعملة مقايضة داخل هذه الممالك ومن مملكة الفور أرسل المحمل لكسوة الكعبة على مدى سنين.
واستمرت هذه الحلقات متصلة فقد تحدث الرحالة السويسري بيركهارد عن وفرة النسيج القطني بمدينة شندي، ولعل ذلك هو السبب في أن أول بداية للبريطانيين في تجارب زراعة القطن كانت بمنطقة الزيداب غرب النيل بالقرب من شندي.
كذلك توجد دلائل تشير إلى انتقال زهرة القطن وبذوره من السودان القديم شمالاً لمصر القديمة وليس العكس كما قد يتبادر لأذهان الكثيرين.
قام الأتراك خلال فترة حكمهم للسودان بزراعة القطن بدلتا القاش بشرق السودان.
---انتهى ---
عناصر الدراسة :
استعرض العناصر الأساسية التي سأبني عليها المشاركات القادمة بالترتيب التالي:
- المشروع وبداياته الأولى.
- عنصر الأرض : ويشمل الملكية والحيازات ،قانون الحيازات ومواضيع متصلة به.
- عنصر المياه ويشمل تجارب الري الأولى،مشروع خزان سنار، مشروع خزان الروصيرص، شبكة الري .
- علاقات الإنتاج وتشمل المزارع والإدارة (شركة السودان الزراعية SUDAN PLANTATION SYNDICATE ثم إدارة مشروع الجزيرة GAZIRA BOARD) ومصادر التمويل باختلاف جهاتها.
- التركيبة المحصولية وتطورها عبر الزمن.
- الخدمات المساندة للعمليات الزراعية.
- أي عنصر يستجد خلا ل تناول هذه الدراسة.
هذه العناصر سيتم تناولها على القواعد الثلاثة موضوع الدراسة (النشأة –الماضي، الحاضر، المستقبل المرتجى).
البدايات الأولي:
لم يكد الوضع السياسي يستقر للبريطانيين بعد بالسودان وقد أحكموا سيطرتهم العسكرية على الدولة وقضوا على وجود الدولة المهدية الرسمي، حتى بدأ العمل على إنفاذ مشروعهم الزراعي وتجربة السلعة المستهدف إنتاجها، القطن ... فكان أول عمل تجريبي لزراعة القطن بالسودان من طرف البريطانيين بالزيداب غرب النيل بمنطقة شندي في العام 1902م متزامناً مع دراسة تجريبية كذلك بالكاملين بمنطقة شمال الجزيرة.أما بالنسبة لمنطقة الزيداب فقد حالت محدودية المساحة المتاحة على شريط النيل والكميات المتوقع إنتاجه دون اختيارها فلم تكن تفي بمتطلبات مصانع الغزل والنسيج في لانكشير وليفربول وليدز،فاتجهت الأنظار إلى منطقة الجزيرة لاتساع الأراضي وجودتها وخصوبتها وإمكانية ريها من النيل بإقامة سد بمنطقة سنار كما أشرت أنفاً.هذا السد بجانب توفير المياه لري المناطق المستهدفة لزراعة القطن سيوفر الطاقة الكهربائية المهمة لعمليات تجهيز السلعة للتصدير لاحقاً كالحليج مثلاً إضافة لذلك فإن المشروع يقل ضمن حزام السافنا مما يوفر ثلاثة شهور ماطرة خلال الموسم الزراعي.
صاحب قيام المزارع التجريبية الأولى تأسيس أول محطة أبحاث زراعية تجريبية بمنطقة شمبات شمال الخرطوم في عام 1904م.
كان قد تم تسجيل شركة السودان الزراعية (SUDAN PLANTAION SYNDICATE) لإنجاز مهمة زراعة القطن بكميات تجارية تقابل حاجات المصانع بالجزر البريطانية.وهي التي تولت عمليات التجارب وقيام ثم إدارة المشروع لاحقاً على مدى عقود.
بعد اكتمال الدراسات الجغرافية والطبوغرافية لمنطقة الجزيرة والمقدر مساحتها بعشرة مليون (10,000,000) فدان، ودراسة التربة والتجارب التي تمت على مدى أحد عشر عاماً، بمحطات أقيمت لهذا الغرض بكل من طيبة وبركات والحاج عبدالله، ثبت أن جزءً كبيراً من هذه المساحة يمكن استخدامه وريه بطريقة انسيابية من الخزان بمنطقة سنار.
كانت البداية بمزرعة مساحتها 250 فدان عام 1911م كما تم إنشاء محطة الأبحاث الزراعية بالجزيرة لاختبار الزراعة المروية عام 1918م.
( الجماعة ماضيعوا وقت أصلاً لتحقيق أهدافهم .. ودا الشغل)
المساحة التي تم اختيارها من المساحة الكلية لإقامة المشروع بلغت واحد مليون وثلاثمائة وخمسون الف ( 1,350,000 ) فدان، أضيف إليها لاحقاً في بدايات الستينات من القرن الماضي امتداد المناقل لتصل المساحة الكلية حتى الآن إلى مليونين ومائة ألف (2,100,000) فدان تقريباً.
قبل الشروع في هذه الجزئية، أتقدم بجزيل الشكر وخالص العرفان للأخ الباشمهندس عبدالله محمد أحمد على اهدائي سفر مهم ومصدر غني بالمعلومات عن نشأة وتأريخ المشروع أعتبره رافداً هاماً للدراسة التي بين يديكم.
اسم الكتاب : مشروع الجزيرة .. القصة التي بدأت
المؤلف : جلال الدين محمود يوسف (زراعي عمل بالمشروع في مناصب عدة أخرها الأمين العام لمجلس ادارة المشروع).
الطبعة الأولى في فبراير 1993م
المصدر العمدة الأخر في تناول هذا الموضوع، دراسة باللغة الإنجليزية بعنوان : مشروع الجزيرة .. منظور لتنمية مستدامة.
المؤلف : أ.م. الضو A.M.Eldaw برعاية المعهد الألماني للتنمية ومقره مدينة بون(عاصمة المانية الغربية قبل التوحيد).
بتأريخ 2004م
برنامج اعادة تأهيل مشروع الجزيرة (دراسة مشترك من حكومة السودان والبنك الدولي عرض الخبير جاك فان هولستن بيليكان)
اضافة لأوراق ودراسات كثيرة أخرى كثيرة، أثبتها لوقتها.
الأراضي بالجزيرة : الملكية .. الحيازات .. التأجير .. الحواشات
تعارف الناس في السودان ومنذ قديم الزمان، على أن الأرض حق مشاع بين أفراد القبيلة الواحدة في المناطق البدوية، أما في اماكن الاستقرار والتجمعات السكانية فان كل فرد يمتلك ما حوله بقوة العرف والتقاليد لذلك لم يكن أحد يعتدي على حقوق الآخرين كما وان الارض لم يكن لها ريع يقود الى الخلاف والتعدي.
لذلك لم يكن هناك مبرر لإثبات الملكية سوى ماتعارف عليه الناس، وبالتالي فإن مفردات مثل الملكية الخاصة والملكية العامة لم تكن معروفة البته.
كان لبدء الحكم البريطاني المصري دور فاعل في تصاعد المشاكل المتعلقة بملكية الأراضي، فما أن أعلنت الحكومة نيتها الاستثمار في المجال الزراعي حتى سعى بعض المغامرين والمضاربين وتدافعوا لإثبات ملكيتهم لما لديهم من حيازات مما أضطر الحكومة لإصدار اللوائح المنظمة للملكية منذ عام 1899.( أقول قد تكون هذه حجة استغلها البريطانيون وحلفائهم المصريين للسيطرة على أهم مورد للبلاد المحتلة .. الأرض).
ممانصت عليه هذه اللوائح، أن اثبات الملكية لا يقبل إلا بأحد طريقين ، أحدهما المستند المؤيد للحق، والثاني اثبات زراعته للأرض خلال الخمس سنوات الماضية.
خلال الفترة من 1907 – 1910، قامت الدولة بمسح الأراضي في المنطقة المروية، وتم تسجيلها بأسماء ملاكها الأفراد وعندما قام مشروع الجزيرة، وأبرمت اتفاقية سنة 1919 بين الحكومة والشركة الزراعية السودانية، كانت مشكلة ملكية الأراضي من أكبر المشاكل التي واجهت الدولة، وكان لابد من حلها قبل وضع نظم ادارة المشروع أو عقد اي اتفاقيات أو وضع اللوائح المنظمة للعمل.
كانت الحكومة قد جربت طريقة مغايرة قبل ذلك بمشروع الزيداب الزراعي، حيث استولت على الأراضي قسراً، ومنحتها للشركة الزراعية التجريية ثم قامت بتأجيرها للمزارعين نظير فئة محددة.
أثبتت التجربة أن نظام التأجير غير عملي فقد أدى لمشاكل كثيرة خصوصاً في سنوات الإنتاج المتدني.
تم نقل التجربة من الزيداب للجزيرة بتجربة طيبة عام 1913، بعد ظهور نظام الشراكة، ارتفع ايجار الأرض من خمسة شلنات الى عشرة شلنات، للفدان الواحد من المواطن للشركة ، حيث تقوم الشركة باعادة توزيعها للمزارعين مقابل فئات خاصة.
بعد توقيع اتفاقية عام 1919، التي حددت علاقة العمل بين االأطراف الثلاثة (المزارع ، الحكومة ، الشركة)، ظهر أن نظام إيجار الأراضي بهذه الطريقة سيكون معقداً، وربما تصاعد الإيجار ، وقد يصل الى عشرين جنيهاًللفدان، فتذهب هذه الأموال لمصلحة أفراد لن يكون لهم دور له فاعل في العمليات المرتبطة بالإنتاج الحقيقي، فقيمة الأرض بعد اقامة نظام الري لاتقارن بقيمتها قبل ذلك .لذلك قررت الحكومة إعادة النظر في هذا النظام لضمان حصولها علي شركاء منتجين فعليين، مزارع ملتزم بالبرنامج الزراعي القادم بمايتطلبه من التزامات.
في مارس 1920 أصدرت احكومة منشوراً لمواطني المناطق المروية، عن عزمها زراعة ثلاثة ألف ( 3000 ) فدان بالمحاصيل المختلفة ، تروى بالري الصناعي من خزان سنار، على قرار أسلوب العمل في طيبة.
ولما كانت الدولة لاتريد تكرار تجربة نزع الأراضي من أهلها كما حدث بالزيداب سابقاً، كان القرار تأجير هذه الأراضي من أصحابها ( هو ماتعارف عليه أهالي الجزيرة بالكروت)، وإعادة توزيعها في شكل حيازات للمزارعين، أما الأراضي التي تستخدم لشق الترع والقنوات واقامة المباني ،فقد تم شراؤها من أصحابها. تم تحديد مبلغ ايجار سنوي يعدل عشرة قروش للفدان الواحد لمدة اربعين سنة
كما حدد مبلغ واحد جنيه مصري، كسعر شراء للفدان الواحد للأراضي المستخدمة لشق الترع واقامة المباني والمحالج والمحازن وماالبنى الأساسية كالمباني والمخازن والمحالج وطرق السكك الحديدية وما اليها. نظام الحواشات (Tenancy System)
تم اعتماد نظام الحواشات بديلاً لنظام الإيجار (Rental System) حيث يمنح المزارع قدراً من الأفدنة باسمه تتبادل فيها زراعة المحاصيل في شكل دورة زراعية محددة، ولايتغير موقع الأرض بالنسبة للمزارع مع تطبيق نظام الشراكة بين الدولة، الشركة الزراعية والمزارع.
تم توزيع الحواشات بمساحة 15 أو 30 فدان للمزارع حسب المساحة المملوكة السابقة. تم اعطاء اولوية وأفضلية للملاك وأعطي كل من الملاك الذين لديهم أكثر من ثمانين فدان حاشة بمساحة 30 فدان ونظراً لأن قانون الأراضي لعام 1921 لايسمح للشخص بأكثر من حواشة فقد تم تفضيل أصحاب الملكيات الكبيرة اضافة لذلك بحق ترشيح أفراد أسرهم كالأبناء والبنات والزوجات والأقارب والمعارف (حق الشفعة) عند توزيع الحواشات، ومن ثم يتم التوزيع لسكان المنطقة الأخرين.جرى تعديل للقانون عام 1934 تم بموجبه رفع مساحة الحواشة من 15 و30 فدان الى 20 و 40 فدان لمقابلة الدورة الزراعية الجديدة ( 8- COURSE ROTATION) الموجهة لمحاربة موجة أمراض القطن عام 1933 .
وهكذا تحول الملاك الى مزارعين يدفعون كغيرهم ايجاراً سنوياً عن الأرض والماء.
تقسيم الحواشات بامتداد المناقل كان بمساحات 15 و30 فدان .
قانون الأراضي لسنة 1921:
صدر تشريع أو قانون الأراضي سنة 1921 وعدل سنة 1923 ثم سنة 1927، وبحكم هذا القانون استأجرت الحكومة كل الأراضي الزراعية التي يشملها نظام الري الصناعي، أو الري المستديم من أصحابها،بواقع عشرة قروش للفدان الواحد في السنة لمدة أربعين سنة،اضافة لشراء الأراضي للإصول الثابتة كقنوات الري والمباني وغيرها.حفظت الحكومة بهذا القانون لنفسها حق مد فترة الإيجار الى مابعد المدة المذكورة، حال دعت الضرورة لذلك.
في سنة 1965 تاريخ انتهاء عقد لتأجير مع ملاك الأراضي الأصليين، طالب الملاك باتفاقية جديدة لإستمرار الدولة في تأجير الأرض ولكن لم تجد دعواهم مجيب وعل ذلك كان استناداً على التعديلات التي أجريت سابقاً معطية الحكومة حق تمديد فترة الإيجار بمقتضى الضرورة كما تراها.
التعديل الذي صدر عام 1927 اسقط أي اتفاق بين المزارع وأي طرف أخر يتعلق بضمان الأرض أو منتوجها مقابل خدمات مالية أو التزامات أخرى الا بعد موافقة مكتوبة من الحكومة، وقصد منه منع المرابين من تسليف المزارعين أمولاً بضمان الحواشة أو المحصول.
حسب منطوق قانون 1921أيضاً لايحق للمزارع التصرف في الحواشة بالبيع أو الرهن أو خلافه ولايحق تقسيم الحواشة الى أكثر من قسمين حيث تتطلب الأمر بموت المزارع وأيلولة الحواشة للورثة.
قرار مجلس الوزراء عام 1970:
بعد قيام نظام مايو تحت رأية الأحزاب اليسارية والإشتراكية، صدر قرار من مجلس الوزراء بتعديل توزيع الحواشات بالمشروع على قاعدة الأرض لمن يفلحها، لا لمن يملكها، وحددت شروط توزيع الحواشات كمايلي:
- أن يكون الشخص سودانياً.
- تعطى الأفضلية للأسر الكبيرة.
- أن يكون الشخص معتمداً على الزراعة كمصدر رزق أساس.
- أن تكون لديه المقدرة العملية على ادارة وتقويم الحواشة.
- أن لايمنح الشخص أكثر من حواشة واحدة.
- أن لايسمح بالتصرف في الحواشة بالتنازل أو البيع أو الرهن أو الهبة أو خلافه.
تم تطبيق تلك الأسس لاول مرة عند توزيع حواشات تفتيش عبد الماجد.
نتابع التطورات مع الأراضي وصولاً لقانون مشروع الجزيرة لعام 2005م
أدناه مواد مشروع الجزيرة لعام 2005م الخاصة بموضوع الأرض من حيث الملكية وحق التصرف :
ملكية الحواشات
17- «1» تعتبر جميع الحواشات المخصصة للمزارعين بالمشروع قبل صدور هذا القانون كما لو تم تملكيها بموجب أحكام هذا القانون.
«2» تتخذ الحكومة التدابير اللازمة للآتي:
أ. المزارعون أصحاب الملك الحر الذين خصصت لهم حواشات بموجب تلك الملكية تسجل لهم تلك الحواشات ملكية عين بسجلات الأراضي.
ب. الملاك الذين لم تخصص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أراضي في المادة «17/2/أ» تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً.
ج. يملك بقية المزارعين في المشروع من غير أصحاب الملك «الحواشات» التي بحوزتهم ملكية منفعة لمدة تسعة وتسعين عاماً..
«3» يلتزم المالك الجديد للحواشة بسداد الفئة التي يحددها المجلس كمقابل لتسجيل الحواشة ملك عين.
«4» للمجلس الحق في وضع موجهات الاستغلال الأمثل للحواشة وفق السياسة الزراعية العامة ووضع الموجهات اللازمة لتطبيق الضوابط الفنية بالنسبة للملاك.
«5» تكون ملكية الحواشة مقيدة بالشروط الآتية:
أ. استغلال الحواشة لأغراض الزراعة فقط.
ب. عدم تفتيت الملكية.
ج. في حالة بيع الحواشة أو التنازل عنها تطبق أحكام كسب الملكية بالشفعة في إطار الأسرة الممتدة والجيرة.
18- «1» للمجلس الحق في تحديد الحد الأدنى لملكية الحواشة.
«2» مع مراعاة الفقرة «5» ج. من المادة 17 يجوز للمزارع المالك التصرف في الحواشة بالبيع أو الرهن أو التنازل وفق موجهات المجلس.
سنقوم بتحليل لهذه الفقرات من القانون مقرؤة مع ماسبقها من تشريعات منذ قيام المشروع لنرى الفوائد والخسائر الآنية والمتوقعة على أهل المشروع (المزارعين) والمنتفعين منه من موظفين وعمال وأخيراً السودان .
المساحة الكلية للمشروع تنقسم إلي قسمين من حيث الملكية.الجزء الأكبر البالغ حوالي 1270000 فدان مملوكة للدولة و895000 فدان ملك حر ساعة إقامة المشروع بنسب 59% و41% على التوالي تقريباً.
بقرأة فقرات قانون 2005م الخاصة بالملكية، مع القوانين التي سبقتها نرى الصورة كمايلي:.
1- أبقى قانون 1921 – 1927) الملك الحر من أراضي المشروع كحق قائم لأهله مع دفع إيجار سنوي عن الانتفاع بهذه الأراضي لمدة زمنية محدودة (40) سنة وفي ذلك حفظ للملكية الخاصة رغم توزيع أجزاء منها لآخرين وشرط إستخدامها وفق ضرورات المشروع الزراعية.
القانون الجديد لعام 2005في هذه الفقرة، أبقي للملاك الذين بحوزتهم حواشات أراضيهم المملوكة ضمن هذه المساحة فقط (ملك عين) مع دفع رسوم التسجيل إذا قُصِدَ بكلمة المالك الجديد في الفقرة (17-3) نفس المالك الحالي وما زاد عن ذلك إن وجد (على نظام الكروت) فهو ملزم ببيعه للدولة (مع تعويض عادل).
الملاك الذين ليس لديهم حواشات ملزمين ببيع أراضيهم المملوكة ملكاً حراً (على نظام الكروت) لصالح الدولة(مع تعويض عادل).
المزارعين غير الملاك ولهم حواشات تسجل لهم (ملكية منفعة لمدة 90 سنة) كحال الأراضي السكنية في الحواضر.
2- أعطى المالك الحق (نظرياً) في قبول أو رفض الاتفاق بالأجرة المسماة بانقضاء المدة المحددة.
في القانون الجديد انتفى هذا الحق بالنسبة للملاك فجميع الأراضي بالمشروع ستؤول ملكيتها للدولة مع (التعويض العادل).
3- وفر أراضي مملوكة للدولة لغير الملاك بتوزيع (الحواشات ) عليهم مقابل إيجار سنوي عن الأرض والانتفاع بماء السقية.
تحول الحال الي ملكية منفعة بمدة محددة في قانون 2005
4- منع التصرف بالبيع والتنازل والرهن ولكن أجازه في إطار التوريث الشرعي بضابط تقسيم الحواشة الى نصفين فقط كحد أدنى.
أتاح قانون 2005 الحق للملاك حق التصرف بالبيع والتنازل والرهن خلافاً للقوانين التي سبقته،لكنه أبقى على مبدأ عدم تفتيت الملكية بصورة عامة في الوقت الذي سمحت فيه القوانين السابقة باستثناء التقسيم الى نصفين لمقابلة ضرورات الوراثة.
5- حددت كافة القوانين حتى الآن استخدام الأراضي في المجال الزراعي فقط.
6- قسم القانون الجديد المزارعين لفئتين من حيث ملكية الأرض الزراعية (الحواشات) فئة ملكية عين والفئة الأخرى ملكية منفعة .. فهل سيترتب على ذلك فرق في التعامل بين الفئتين من طرف الشركاء والقرارات المرتبطة بهذه الشراكة على مستوياتها المختلفة سؤال يحتاج اجابة؟
التعليق :
يثبت القانون حق الدولة في نزع الملكيات الخاصة من أصحابها لأجل المنفعة العامة .. فهل يعتبر مشروع الجزيرة الآن منفعة عامة؟ كذلك يقوم سؤال عن التعويض العادل .. من الذي يحدده ؟ الدولة أم أصحاب الملك أم طرف آخر؟ كذلك يقوم تساؤل شرعي عن حق الدولة في نزع الملكيات الخاصة ابتدأً؟
كما نعلم هذه الملكيات الخاصة للأراضي قديمة وقد اتسعت الأسر المالكة لها ونعلم مقدار المشكلات التي ستنشاء من هذا الوضع حال إنفاذ القانون ( المحامين لديهم مائدة دسمة لمثل هذه القضايا) ولكن أثرها الاقتصادي والاجتماعي بمنطقة المشروع سيكون كبيراً.
رجاء :
الإخوة أهل القانون (القضاة والمحامين) ساهموا معنا في هذا الجزء من الدراسة بتوضيح الجوانب لقانونية التي خفيت على كاتب الموضوع !!!
-- أواصل --